السيد حسن القبانچي

58

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

وأما حقيقتها فمما تضاربت فيها الأفكار قديما وحديثا ، - ككل حقيقة غيبية لا يعلم علمها إلا اللّه » « 1 » . ولابن أبي الحديد في هذا المعنى : قد حار في النفس جميع الورى * والفكر فيها قد غدا ضائعا وبرهن الكل على ما ادعوا * وليس برهانهم قاطعا من جهل الصنعة عجزا فما * أجدره أن يجهل الصانعا ونحن انسياقا مع الكلاميين والحكماء نضع خطوطا في تعريف هذه الظاهرة الشائكة ، وما وقع فيها من تضارب وخلاف ، قبل أن ندخل في صميم البحث ، كي يتسنى لنا أن نتسلسل في البحث بشكل منهجي ، ونضع المباحث التي يهمنا ذكرها في هذا الدرس في مواضعها الطبيعية من غير أن يختل منهج البحث ، ومن دون أن يفوتنا جانب من الحديث فيما نتعرض له من جوانب هذه الدراسة . مصدر النفس نقصد من هذه الكلمة أن ننظر إلى النفس من حيث مصدرها . أو بالأصح من حيث هي نظرة إجمالية لا تبتنى على الأقيسة ومقدماتها ، بل على شيء أدل وأقوى منها ومن الحواس والتجربة في أي شيء آخر . وذلك بإلقاء أسئلة تكمن في أعماق النفس ، ويتطلب الجواب عنها كل من يملك الإحساس والإدراك ، وهذا طرف منها : أين كانت الروح قبل اتصالها بالبدن ؟ وإلى أن تذهب بعد انحلاله ؟ ومن الذي أعطاها له ، ثم سلبها منه ؟ وكيف حوت طاقات جبارة تستوعب إدراك الكون ، وترقى بها إلى أقصى الكواكب ، وتكتشف المجهول ، وتتذكر الماضي ، وتضع تصميم المستقبل ؟ وكيف اتصلت بالطبيعة وانفصلت عنها في آن واحد ، إلى عشرات الأسئلة التي لا تجد لها جوابا ولا حلّا ، إذ لم يفترض وجود خالق مدبر لهذا الكون ، قادر على ما لا يقدر عليه أحد سواه تماما كما تفترض وجود كاتب لرسالة أرسلها إليك مجهول لا تعرف هويته ، ولا شيئا عنه من قبل . قال صدر المتألهين : « إن اللّه قد جمع في الإنسان قوى العالم ، وأوجده بعد وجود الأشياء التي جمعت فيه : « الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من

--> ( 1 ) كتاب الوجود .